محمد بن جرير الطبري

32

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثناؤه ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ألزموا الذلة ، والذلة : الفعلة من الذل ، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع . أَيْنَما ثُقِفُوا يعني : حيثما لقوا . يقول جل ثناؤه : ألزم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض ، وبأي مكان كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين ، إلا بحبل من الله ، وحبل من الناس كما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن في قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ قال : أدركتهم هذه الأمة ، وإن المجوس لتجبيهم الجزية . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قل : ثنا عباد ، عن الحسن في قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال : أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين . وأما الحبل الذي ذكره الله في هذا الموضع ، فإنه السيب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين ، وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاما ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ قال : بعهد ، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال : بعهدهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يقول : إلا بعهد من الله ، وعهد من الناس . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد ، عن عثمان بن غياث ، قال عكرمة : يقول : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال : بعهد من الله ، وعهد من الناس . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يقول : إلا بعهد من الله ، وعهد من الناس . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يقول : إلا بعهد من الله ، وعهد من الناس . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ فهو عهد من الله ، وعهد من الناس ، كما يقول الرجل : ذمة الله ، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهو الميثاق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال مجاهد : أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال : بعهد من الله ، وعهد من الناس لهم . قال ابن جريج وقال عطاء : العهد : حبل الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال : إلا بعهد وهم يهود ، قال : والحبل : العهد . قال : وذلك قول أبي الهيثم بن التيهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار في العقبة : أيها الرجل إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس ، يقول : عهودا . قال : واليهود لا يأمنون في أرض من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله عز وجل ، وقرأ : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال : فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب هم في البلدان كلها مستذلون ، قال الله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً يهود . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك في قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يقول : بعهد من الله ، وعهد من الناس . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، مثله . واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب الباء في قوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ فقال بعض نحويي الكوفة : الذي جلب الباء في قوله : بِحَبْلٍ فعل مضمر قد ترك ذكره . قال : ومعنى الكلام : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ، إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، فأضمر ذلك .